إدارة المعرفة: من احتكار المعلومة إلى صناعة القيمة

المعرفة من أهم أصول المؤسسة، لكنها أصل لا يظهر كاملًا في السجلات المالية. توجد في خبرة العاملين، وفي البيانات والوثائق، وفي فهم المستفيدين، وفي العلاقات وطرق حل الحالات المعقدة. وإذا لم تُدار هذه المعرفة، ضاع الوقت في إعادة البحث، وتكررت الأخطاء، وتعطلت الأعمال بغياب أشخاص محددين، واتُّخذت قرارات بمعلومات ناقصة. تبدأ إدارة المعرفة بتحديد ما هو حيوي لتحقيق أهداف المؤسسة. ليس المطلوب حفظ كل رسالة ونسخة، بل معرفة القرارات والعمليات التي تعتمد على خبرة نادرة أو معلومة يصعب استعادتها. يمكن رسم خريطة تبين المعرفة المطلوبة، ومكان وجودها، ومن يملكها، ومن يحتاج إليها، وما خطر فقدها.

هذه الأولوية تمنع تحول إدارة المعرفة إلى مستودع ضخم بلا استخدام. وهناك معرفة صريحة يمكن كتابتها، مثل السياسات والأدلة، ومعرفة ضمنية تتكون من الخبرة والحكم المهني. الأولى تحتاج إلى تنظيم وإصدار معتمد وتحديث، والثانية تحتاج إلى حوار ومرافقة وممارسة. لا يمكن تحويل كل خبرة إلى تعليمات، لكن يمكن تقريبها عبر دراسة الحالات، والإرشاد، والمشاهدة، وشرح أسباب القرار لا نتيجته فقط. وتعاني المستودعات المعرفية غالبًا من صعوبة العثور على المحتوى أو الشك في حداثته. لذلك ينبغي أن يكون لكل مادة عنوان ووصف وتصنيف ومالك وتاريخ مراجعة، وأن تُسحب النسخ الملغاة من التداول.

كما يجب تصميم البحث بلغة المستخدمين، لا بلغة الوحدة التي أنشأت الوثيقة. قيمة المعرفة تظهر عند الحاجة إليها، لا عند عدد الملفات المرفوعة. والمشاركة لا تحدث بمجرد توفير منصة. قد يحتفظ الموظف بالمعرفة لأنه يراها مصدر تميزه، أو لأنه لا يملك وقتًا للتوثيق، أو يخشى نقد تجربته. على القيادة أن تجعل المشاركة جزءًا من العمل والتقييم، وأن تنسب الفضل لأصحابه، وتوفر وقتًا وقوالب بسيطة. وفي المقابل يجب احترام السرية والخصوصية والصلاحيات؛ فالمشاركة المسؤولة تتيح ما يلزم لمن يلزم، ولا تجعل الانفتاح مبررًا لكشف معلومات محمية. ويمكن للبيانات أن تصبح معرفة عندما توضع في سياق يساعد على القرار.

الجدول الذي يعرض أرقام الشكاوى لا يكفي ما لم يكشف الأنماط والأسباب والفئات والتغير عبر الزمن. وهنا يلزم الجمع بين التحليل الكمي وملاحظات المنفذين والمستفيدين. الرقم يحدد أين ننظر، والخبرة تساعد على تفسير ما نراه، ثم يأتي الاختبار لتمييز التفسير الصحيح. كما ينبغي قياس أثر إدارة المعرفة من خلال العمل: هل انخفض زمن الوصول إلى المعلومة؟ هل قلت الأخطاء المتكررة؟ هل أصبح تسليم المهام أسرع؟ هل أعيد استخدام حل ناجح؟ مؤشرات النشاط، مثل عدد الوثائق أو الزيارات، مفيدة لكنها لا تثبت وحدها أن المعرفة صنعت قيمة. إدارة المعرفة ليست مشروعًا تقنيًا ولا أرشفة موسعة، بل نظام يربط الإنسان والمعلومة والقرار.

وعندما تعرف المؤسسة ما تحتاج إلى حمايته، وتيسر الوصول إليه، وتنقل الخبرة، وتكافئ المشاركة المنضبطة، تتحول المعرفة من ملكية فردية معرضة للفقد إلى قدرة جماعية تدعم الاستمرارية والابتكار.

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة