الاتصال الإداري: حين تتحول المعلومة إلى فهم وعمل

ليس الاتصال الإداري مجرد إرسال رسالة، بل تحقق فهم مشترك يمكّن الناس من التصرف بطريقة صحيحة. قد تصل الرسالة إلى جميع الموظفين ولا تحقق اتصالًا حقيقيًا؛ لأنها طويلة أو غامضة، أو لا توضح المطلوب، أو تناقض ما يسمعونه من مديرهم المباشر. معيار الاتصال ليس عدد الرسائل المرسلة، وإنما مقدار ما أحدثته من وضوح وتنسيق وقرار. تبدأ الرسالة الفعالة بتحديد غرضها وجمهورها. ما الذي يحتاج المتلقي إلى معرفته؟ ماذا يُطلب منه أن يفعل؟ ومتى؟ وما أثر الأمر عليه؟ الرسالة التي تجمع خلفية مطولة وقرارات متعددة من دون ترتيب تدفع القارئ إلى التخمين.

لذلك يفيد تقديم الخلاصة أولًا، ثم سببها، ثم الإجراءات والمسؤوليات والمواعيد، مع إتاحة التفاصيل لمن يحتاجها. ولا يصلح أسلوب واحد لكل المواقف. القرار العاجل يحتاج إلى قناة سريعة وواضحة، والتغيير المعقد يحتاج إلى شرح وحوار، والمعلومة المرجعية تحتاج إلى مكان ثابت يسهل الرجوع إليه. استخدام الاجتماعات لنقل تحديثات كان يمكن قراءتها يهدر الوقت، كما أن إرسال قرار حساس بالبريد وحده قد يمنع فهم المخاوف والأسئلة. اختيار القناة جزء من جودة الرسالة. ويزداد ضعف الاتصال حين تتعدد المصادر غير المنسقة.

إذا تلقى الموظف توجيهات مختلفة من إدارتين، أو وجد نسخة قديمة من الإجراء إلى جانب النسخة المعتمدة، فالمشكلة ليست في انتباهه وحده، بل في حوكمة المعلومة. ينبغي أن يكون لكل سياسة أو قرار مصدر موثوق، وتاريخ نفاذ، ومالك يحدّثه، وآلية واضحة لسحب النسخ المتقادمة. والاستماع نصف الاتصال الذي تهمله مؤسسات كثيرة. لا يعني الاستماع انتظار انتهاء المتحدث، بل فهم المعلومة والتحقق منها وطرح السؤال المناسب. المدير الذي يقاطع الأخبار غير المريحة، أو يرد بالدفاع قبل الفهم، يعلّم فريقه تنقية المعلومات. ومع الوقت تصله صورة محسنة لا تساعده على اتخاذ القرار.

أما استقبال التنبيه المهني بهدوء، ثم التحقق والمساءلة العادلة، فيحافظ على تدفق الحقيقة. وتحتاج الأخبار السيئة إلى عناية خاصة. التأخير في إعلان مشكلة معروفة قد يضاعف أثرها ويضعف الثقة. الرسالة المسؤولة تذكر ما حدث بقدر ما ثبت، وما لم يعرف بعد، وما الإجراء المتخذ، ومتى سيأتي التحديث التالي. الاعتراف بعدم اكتمال المعلومات أكثر مهنية من ملء الفراغ بتأكيدات غير موثوقة، والشفافية لا تعني كشف ما يجب حمايته من بيانات أو حقوق. كما أن الاتصال الأفقي بين الإدارات لا يقل أهمية عن الاتصال الرأسي.

كثير من التعثر يحدث عند نقاط التسليم: إدارة تنجز جزءها من غير أن تعرف ما يحتاجه الطرف التالي، أو تعدل إجراءً يؤثر في غيرها من دون تنسيق. تحديد المدخلات والمخرجات ومسؤوليات التسليم، وإنشاء قنوات مباشرة للقضايا المشتركة، يقللان الحاجة إلى التصعيد المستمر. ويمكن قياس جودة الاتصال بوسائل تتجاوز إحصاء الفتح والمشاهدة. من المفيد فحص فهم عينة من المتلقين، ومراقبة الأسئلة المتكررة، والأخطاء الناتجة عن الغموض، وزمن وصول المعلومة إلى مواقع التنفيذ. إذا استمرت التفسيرات المتعارضة، فالمشكلة في تصميم الاتصال مهما بلغت نسبة قراءة الرسالة.

الاتصال الإداري الجيد يحترم وقت المتلقي وعقله؛ يقدم ما يحتاجه بلغة دقيقة، ويوفر سياقًا كافيًا، ويفتح طريقًا للتغذية الراجعة، ويحفظ المعلومة في موضعها الصحيح. وحين يصبح الوضوح مسؤولية مشتركة بين المرسل والمتلقي والقيادة، تقل الشائعات والازدواجية، وتتحول المعلومة من عبء متداول إلى قدرة على العمل المنسق.

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة