على الشاطئ، ترى البحر يفعل شيئًا لا نعرف كيف نفعله بسهولة: يستقبل الموجة كاملة ثم يتركها تذهب.
لا يطارد الماء الذي انسحب، ولا يحاول أن يعيد الرغوة إلى موضعها، ولا يقول لهذه الموجة: كنت أجمل من التي ستأتي بعدها.
كل شيء عنده وصولٌ ورحيل.
ربما لهذا نشعر بقربه بشيءٍ من الاتساع؛ لأن أمامنا كائنًا هائلًا لا يخجل من التغير.
نحن، على العكس، نحتفظ كثيرًا: بمحادثة انتهت، وصورةٍ قديمة، ووجهٍ غاب ولم يعد، ونسخةٍ من أنفسنا كانت موجودة في زمنٍ آخر. نريد من الحياة أن تظل كما أحببناها في لحظةٍ بعينها.
لكن لو احتفظ البحر بكل موجة وصلت إليه، لما بقي بحرًا.
هناك أشياء لا تحيا إلا وهي تتحرك. الحب، العمر، الأبناء، الأصدقاء، المدن، حتى نحن.
والفقد أحيانًا ليس اختفاء الشيء تمامًا، بل تغيّر صورته. الموجة التي انكسرت على الرمل لم تفنَ؛ عادت إلى البحر بطريقةٍ أخرى.
ربما ينبغي لنا أن نتعلم هذا النوع من الوداع: ألا نمسك الأشياء حتى نكسرها، وألا نطالب الجميل بأن يبقى في الشكل نفسه كي نعترف بأنه كان جميلًا.
اجلس أمام البحر طويلًا.
ستعرف أن قلبك لا يحتاج أن يصبح حجرًا كي ينجو من الرحيل.
يكفي أن يتعلم كيف يكون بحرًا.
من كتاب «العابرون» — د. فيصل بن سعود العنزي