التفاوض قبل العقد: متى يتحول الانسحاب إلى مسؤولية؟

لا يعني دخول المفاوضات أن العقد قد انعقد، ولا يُجبر الطرف عادة على إتمام صفقة لم يقتنع بها. إلا أن حرية التفاوض لا تبيح العبث بثقة الآخرين أو استدراجهم إلى تكاليف ومخاطر من دون جدية. وقد عالج نظام المعاملات المدنية هذه المرحلة صراحة في المادة الحادية والأربعين: التفاوض على عقد لا يرتب التزامًا بإبرامه، لكن من يتفاوض أو ينهي التفاوض بسوء نية يكون مسؤولًا عن الضرر الذي أصاب الطرف الآخر، من دون أن يشمل التعويض ما فاته من كسب متوقع من العقد محل التفاوض. بهذا الحكم يوازن النظام بين مصلحتين. الأولى حرية كل طرف في فحص الصفقة والانسحاب إذا لم تناسبه، والثانية حماية الثقة من السلوك غير الجاد أو المضلل.

كما ذكر النظام من صور سوء النية عدم الجدية في التفاوض، أو تعمد عدم الإدلاء ببيان جوهري مؤثر في العقد. ولا يعني ذلك أن كل معلومة داخلية يجب كشفها، بل إن تقدير واجب البيان يتصل بجوهر المعلومة وأثرها وطبيعة العلاقة وما تقضي به الأنظمة الخاصة. قد يظهر عدم الجدية عندما يدخل شخص المفاوضات بلا نية حقيقية للتعاقد، وإنما للحصول على أسرار تجارية أو تعطيل منافس أو استخدام عرض لتحسين شروطه مع طرف آخر، مع إيهام المقابل بقرب الإبرام. وقد يظهر سوء الإنهاء إذا استمر طرف في طلب دراسات ونفقات كبيرة وهو يعلم أن مانعًا جوهريًا يحول دون الصفقة ولا يكشفه.

لكن مجرد طول التفاوض أو اختلاف الأطراف في اللحظة الأخيرة لا يثبت سوء النية وحده؛ فالمعاملات المعقدة قد تتغير فيها التقديرات بصدق. والتعويض في هذه الحالة لا يعامل العقد المتوقع كأنه أُبرم. النص استبعد الكسب المتوقع من العقد محل التفاوض، وهو تمييز مهم بين الضرر الناشئ عن الثقة السيئة وبين الأرباح التي كان يمكن أن تنشأ لو تمت الصفقة. ويبقى تقدير وجود الخطأ والضرر وعلاقتهما مسألة تتوقف على الوقائع والأدلة. ومن وسائل إدارة هذه المرحلة إعداد اتفاق تفاوض أو خطاب نوايا يحدد ما هو ملزم وما هو غير ملزم.

يمكن أن ينظم السرية، وحماية البيانات، وحصرية التفاوض إن اتفق عليها، وتوزيع تكاليف الفحص، وحق كل طرف في الانسحاب، والقانون أو الجهة المختصة بتسوية الخلاف. ويجب تجنب عبارات متناقضة تجعل الوثيقة تعلن عدم الإلزام ثم تفرض في موضع آخر التزامات الصفقة الأساسية دون بيان. كما ينبغي تحديد المسائل الجوهرية التي لا يقوم العقد من دونها. فإذا اتفق المتعاقدان على المسائل الجوهرية وأرجآ غير الجوهرية، فقد يكون ذلك كافيًا لاعتبار القبول مطابقًا للإيجاب وفق المادة الثانية والأربعين، ما لم يربطا الانعقاد بالاتفاق اللاحق. لذلك يجب ألا يُفترض أن تسمية المحادثة «تفاوضًا» تمنع كل أثر؛ المحتوى وتلاقي الإرادتين وطريقة الصياغة أمور جوهرية.

عمليًا، تحفظ المراسلات المتدرجة صورة أوضح: ما الذي عُرض؟ ما الذي بقي مفتوحًا؟ هل الموافقات الداخلية شرط؟ ومن يتحمل كلفة الفحص؟ ومن الحكمة عدم البدء في تنفيذ جوهر الصفقة قبل وضوح انعقاد العقد، إلا ضمن اتفاق مبكر يحدد نطاق الأعمال العاجلة ومقابلها ومخاطرها. التفاوض المسؤول لا يلزم الطرف بصفقة سيئة، لكنه يلزمه ألا يصنع لدى الآخر ثقة زائفة بسلوك سيئ النية. والوضوح منذ البداية، وحماية المعلومات، وتحديد النقاط الملزمة، والإفصاح عن الموانع الجوهرية؛ ممارسات تحمي حرية التفاوض نفسها من التحول إلى مصدر للنزاع. المرجع النظامي الرئيس: المواد 41 و42 و43 و45 و46 من نظام المعاملات المدنية.

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة