لكل مؤسسة ثقافة، سواء صممتها بوعي أم تركتها تتشكل بالمصادفة. والثقافة ليست الكلمات المكتوبة على الجدران، ولا قائمة القيم المنشورة في الموقع، بل الأنماط التي يتعلم العاملون أنها مقبولة ومكافأة ومتوقعة. إنها الإجابات العملية عن أسئلة مثل: ماذا يحدث لمن يعترف بخطئه؟ هل يُسمع الرأي المخالف؟ هل يقدَّم صاحب الإنجاز أم صاحب العلاقة؟ وهل تُحترم الإجراءات عندما تتعارض مع مصلحة شخص ذي نفوذ؟ تتكون الثقافة من الرسائل المتكررة التي ترسلها القيادة بقراراتها. فإذا أعلنت المؤسسة أن التعاون قيمة، ثم كافأت المنافسة الفردية وحدها، فإن نظام المكافآت هو الرسالة الأصدق.
وإذا تحدثت عن الابتكار، ثم عاقبت كل تجربة لم تنجح، فسيتعلم العاملون أن السلامة في الصمت. ولهذا لا يكفي أن تحدد المؤسسة قيمها؛ عليها أن تراجع السياسات والحوافز وسلوك المسؤولين للتأكد من اتساقها معها. ويظهر أثر الثقافة خصوصًا في المساحات التي لا تغطيها التعليمات بالتفصيل. فاللائحة لا تستطيع أن تصف كل موقف، لكن الثقافة توجه الاختيار حين تتعدد البدائل. في البيئة التي تعظم خدمة المستفيد، يبحث الموظف عن حل مسؤول بدل الاكتفاء بعبارة «ليس من اختصاصي». وفي البيئة التي تخشى اللوم، قد ينقل المشكلة إلى غيره أو يؤخر كشفها حتى تتفاقم. ومن أهم عناصر الثقافة الصحية العدالة التنظيمية.
لا يعني ذلك مساواة الجميع في كل شيء، بل وضوح المعايير، واتساق تطبيقها، وإتاحة تفسير القرار والتظلم منه. قد يتقبل الموظف قرارًا لم يكن في مصلحته إذا فهم سببه ورأى أنه طبق بطريقة منصفة. أما الغموض والاستثناءات غير المبررة فينتجان روايات وشكوكًا تضعف الثقة والانتماء. كذلك تحتاج المؤسسة إلى أمان نفسي يسمح للعاملين بطرح الأسئلة والإبلاغ عن المخاطر ومناقشة الأخطاء دون خوف من الإهانة أو الانتقام. والأمان النفسي لا يعني التساهل مع التقصير، بل الفصل بين المساءلة العادلة وبين إسكات الصوت. يمكن محاسبة المخالفة، وفي الوقت نفسه حماية من يكشف خللًا بحسن نية.
المؤسسة التي لا تسمع الأخبار السيئة مبكرًا ستسمعها متأخرة بعد أن ترتفع كلفتها. وتُبنى الثقافة في التفاصيل اليومية: طريقة إدارة الاجتماع، وأسلوب استقبال الموظف الجديد، وكيفية توزيع الفرص، ولغة الرسائل الداخلية، ومن يُستشار قبل القرار، وما الذي تسأل عنه القيادة في جولاتها. حتى القصص التي يتداولها العاملون عن مواقف سابقة تؤدي دورًا؛ فهي توضح لهم ما تعده المؤسسة شجاعة أو نجاحًا أو خطأً لا يغتفر. تغيير الثقافة لا يتحقق بحملة اتصالية قصيرة. يبدأ بتحديد سلوكيات ملموسة مرتبطة بكل قيمة، ثم جعل القادة قدوة فيها، وإدخالها في الاختيار والتقييم والترقية والتعلم.
فإذا كانت «المسؤولية» قيمة، ينبغي أن يظهر معناها في وضوح الملكية، والاعتراف بالتعثر، وإغلاق الالتزامات. وإذا كانت «الشفافية» قيمة، فيجب تحديد المعلومات التي تُشارك وكيف يُشرح القرار. والثقافة لا تُقاس باستبانة رضا واحدة. يمكن الاستفادة من الاستبانات، لكن ينبغي قراءتها إلى جانب دوران الموظفين، والشكاوى، وأنماط الغياب، وسرعة تصعيد المخاطر، وعدالة الفرص، وملاحظات المقابلات، والفروق بين الإدارات. فقد تعيش داخل المؤسسة الواحدة ثقافات فرعية مختلفة بسبب سلوك المدير المباشر. الثقافة المؤسسية قوة صامتة قد ترفع أداء النظام أو تقاوم أفضل الخطط.
وعندما تتطابق القيم المعلنة مع القرارات والحوافز والسلوك اليومي، تتحول الثقافة من شعار إلى ميزة مؤسسية: تزيد الثقة، وتسرّع التعاون، وتجعل التصرف الصحيح هو التصرف الطبيعي حتى عندما لا تكون الرقابة حاضرة.