الذين يصلون بعد أن يتعب الانتظار

بعض الناس لا يتأخرون عن حياتنا؛ نحن الذين نصل إليهم قبل أن نكون مستعدين لهم.

فكم من قلبٍ جميل مرّ بنا ونحن مشغولون بمن أغلق بابه، وكم من يدٍ امتدت إلينا فلم نرها لأن أعيننا كانت معلّقةً بيدٍ أخرى انسحبت. للانتظار قدرةٌ غريبة على تضييق النظر؛ فهو يجعلنا نتصور أن الخير لا بد أن يأتي من الجهة التي اخترناها، وأن الحب لا يكون حبًا إلا إذا حمل الوجه الذي رسمناه له في خيالنا.

ثم تمضي بنا الأيام، وتكسر فينا شيئًا من العجلة، وتعلّمنا أن القلب ليس غرفةً تُفتح لأي طارق. ننضج قليلًا، ونصبح أقل افتتانًا بالكلمات الكبيرة، وأكثر انتباهًا للأفعال الصغيرة: من بقي حين تعقدت الأمور، من احترم صمتنا، من لم يجعل قربه امتحانًا يوميًا، ومن حضر دون أن يطالبنا في كل مرة بثمنٍ لحضوره.

وحينها قد يصل إنسانٌ لا تصاحبه العواصف التي اعتدنا تسميتها حبًا. يأتي هادئًا، حتى إننا نكاد لا ننتبه إليه. لا يقلب حياتنا رأسًا على عقب، بل يعيد الأشياء إلى مواضعها. قربه لا يشبه اشتعال النار، بل يشبه مصباحًا يُضاء في بيتٍ عدنا إليه متعبين.

وعندها فقط نفهم بعض أسباب التأخير.

ربما لو جاء هذا الإنسان قبل أعوام لآذيناه بخوفنا، أو طالبناه أن يعوضنا عن جراحٍ لم يصنعها، أو أضعناه لأننا لم نكن يومها نعرف الفرق بين من يثير القلب ومن يصونه.

لا تأسف كثيرًا على الأشياء التي تأخرت. بعض النعم تحتاج قبل وصولها إلى قلبٍ أقل فوضى، وبعض الأشخاص لا يأتي دورهم في حياتنا إلا بعد أن ينتهي دور الذين علمونا، بالألم، كيف نعرفهم.

فليس الأجمل دائمًا من جاء أولًا.

أحيانًا يكون الأجمل هو الذي وصل بعد أن انتهت العاصفة، فوجد في القلب خرابًا قليلًا، ولم يسأل لماذا تهدم البيت؛ بل بدأ، بهدوء، يفتح نوافذه.

من كتاب «العابرون» — د. فيصل بن سعود العنزي

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة