ليست كل الأرزاق أشياءً تستطيع الإشارة إليها.
بعضها لا تراه إلا إذا تذكرت من كنت قبل أن يأتي.
أن تستيقظ ذات صباح فلا يؤلمك ما كان يؤلمك بالأمس: رزق. وأن تنظر إلى بابٍ كنت تموت رغبةً في فتحه فلا تشتهي دخوله: رزق. وأن يخرج من قلبك تعلقٌ كان يستنزفك، ولا تعرف كيف خرج: رزقٌ لا يصدر له إيصال.
قد يعطيك الله مالًا، وقد يعطيك قناعةً تجعل القليل واسعًا. قد يفتح لك مكانًا، وقد يصرف عنك مكانًا لو دخلته لأتعبك. وقد يرزقك شخصًا، أو يكشف لك حقيقة شخص في الوقت المناسب.
نحن نحصي ما جاء، وننسى أن نحصي ما صُرف.
كم مصيبةٍ مشت في طريقها إلينا ثم انعطفت ونحن لا نعلم؟ كم قرارٍ لم يتم فغضبنا، ثم اكتشفنا بعد أعوام أنه كان باب نجاة؟
والسكينة من أكرم الأرزاق، لأنها لا تحتاج إلى أن يتغير العالم كي تأتي.
قد تبقى المشكلات كما هي، والالتزامات كما هي، لكن ينشأ في الصدر مكانٌ جديد لا تصل إليه الفوضى كلها.
وهذا ما يجعل بعض الناس، رغم قلة ما في أيديهم، يعيشون في وفرة لا يستطيع الأغنياء شراءها.
فإذا أردت أن تعدّ نعمك، لا تنظر فقط إلى الأشياء الموجودة.
انظر أيضًا إلى الأحزان التي خفت، والرغبات التي هانت، والخوف الذي صار أصغر، وما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.
فبعض الرزق نعمةٌ تصل.
وبعضه مصيبةٌ ضلّت الطريق إليك.
من كتاب «العابرون» — د. فيصل بن سعود العنزي