الشروط العقدية وحدود حرية الاتفاق

حرية التعاقد تمنح الأطراف مساحة واسعة لتصميم علاقتهم وتوزيع الحقوق والمخاطر، لكنها ليست سلطة بلا حدود. نصت المادة الرابعة والسبعون من نظام المعاملات المدنية على جواز تضمين العقد أي شرط يرتضيه المتعاقدان إذا كان محل الالتزام ممكنًا، وغير مخالف للنظام العام، ومعينًا أو قابلًا للتعيين. فإذا كان الشرط باطلًا، كان الأصل بطلان الشرط وحده، مع إمكان طلب إبطال العقد إذا تبين أن المتعاقد ما كان ليرضى بالعقد من دونه. وهذا يبرز الفرق بين بطلان الشرط وبطلان العقد. ليس كل خلل في بند يؤدي تلقائيًا إلى سقوط الوثيقة كلها. ينظر إلى قابلية الفصل وإلى أهمية الشرط في الرضا.

لكن توجد نصوص خاصة قد تقضي ببطلان اتفاق معين أو تمنع الإعفاء منه، وعندها يتقدم الحكم الخاص. ومن الأمثلة أن النظام أبطل الاتفاق المخالف لأحكام الظروف الاستثنائية الواردة في المادة السابعة والتسعين. وتظهر الحدود أيضًا في شروط الإعفاء من المسؤولية. أجازت المادة الثالثة والسبعون بعد المائة الاتفاق على إعفاء المدين من التعويض عن عدم تنفيذ التزامه التعاقدي أو التأخر فيه، لكنها استثنت ما يكون ناشئًا عن غش أو خطأ جسيم منه، ومنعت الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية المترتبة على الفعل الضار. لذلك لا تكفي عبارة شاملة مثل «لا يتحمل الطرف أي مسؤولية مهما كان السبب» لضمان نفاذها على إطلاقها.

كما تخضع الشروط في عقود الإذعان لرقابة خاصة. فإذا تم العقد بطريق الإذعان وتضمن شروطًا تعسفية، فللمحكمة أن تعدلها أو تعفي الطرف المذعن منها وفق ما تقتضيه العدالة، ويقع باطلًا كل اتفاق يخالف ذلك. وليس كل عقد نموذجي عقد إذعان بالضرورة؛ العبرة بطبيعة الشروط ومدى إمكان مناقشتها والظروف المحيطة. ومن المشكلات العملية نقل شروط من نموذج أجنبي أو عقد سابق من غير فحص توافقها مع النظام السعودي وطبيعة الصفقة. قد تتعارض التعريفات، أو يحيل البند إلى إجراء غير موجود، أو يوزع خطرًا بطريقة يصعب تنفيذها. كما أن تعدد الوثائق من دون ترتيب أولوية قد يجعل الشروط العامة تناقض العرض الفني أو الملحق المالي.

الصياغة الجيدة لا تقيس القوة بقسوة العبارة، بل بقابليتها للفهم والتنفيذ. ينبغي تحديد نطاق الشرط، والحالة التي تفعّله، والإجراء والمهلة، وأثره، والاستثناءات النظامية. وإذا كان الشرط يحد مسؤولية أو ينظم إنهاء العقد، فالأفضل أن يكون بارزًا لا مدفونًا في نص طويل، وأن يقرأ مع الالتزامات الأساسية وتسوية المنازعات. وتبقى الأنظمة الخاصة مؤثرة؛ فالعقد العمالي أو الاستهلاكي أو الحكومي أو التأميني قد يخضع لقيود لا تظهر في القواعد العامة. كما قد تتطلب بعض التصرفات شكلًا أو توثيقًا محددًا. ولهذا فإن عبارة «اتفق الطرفان» لا تكفي وحدها إذا خالفت حكمًا آمرًا.

حرية الاتفاق وسيلة لتحقيق إرادة الأطراف، وليست طريقًا لتعطيل النظام أو الإضرار غير المشروع. وكلما كان الشرط متوازنًا ودقيقًا ومتصلًا بخطر حقيقي، ازدادت فرص نفاذه وقل النزاع حوله. أما المبالغة في الشمول والغموض فقد تمنح شعورًا بالقوة عند التوقيع، ثم تكشف ضعفها عند التطبيق. المرجع النظامي الرئيس: المواد 40 و72 و74 و96 و97 و173 من نظام المعاملات المدنية.

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة