الشورى في اتخاذ القرار الإداري

القرار الإداري الجيد لا يقاس بسرعة صدوره وحدها، بل بجودة المعلومات التي بني عليها، ومدى فهم المتأثرين به، وقدرته على التنفيذ. ومن هنا تأتي الشورى بوصفها منهجًا للاستفادة من العقول والخبرات، لا مجرد إجراء شكلي يسبق قرارًا محسومًا. فالمسؤول مهما اتسعت خبرته يرى جانبًا من الصورة، بينما يملك العاملون قربًا من التفاصيل والمستفيدين والمخاطر اليومية قد لا يصل إليه من موقعه. الشورى الفاعلة تبدأ بسؤال واضح. عندما يدعو القائد إلى اجتماع عام من غير تحديد المشكلة والقرار المطلوب، تتشعب الآراء ويضيع الوقت. أما حين يحدد السؤال، ويقدم المعلومات الأساسية، ويوضح القيود والمعايير، يستطيع المشاركون تقديم بدائل قابلة للمقارنة.

جودة المشورة تتأثر بجودة الإعداد لها؛ فلا يمكن طلب رأي ناضج في قضية معقدة من دون وقت كافٍ أو بيانات مناسبة. كما تحتاج الشورى إلى تنوع حقيقي في المشاركين. الاقتصار على الأشخاص المتفقين مع المسؤول يحولها إلى تأكيد للرأي لا اختبار له. من المفيد إشراك من ينفذ القرار، ومن يتأثر به، ومن يملك خبرة فنية، ومن يستطيع رؤية مخاطره. وليس المقصود توسيع كل قرار إلى دائرة كبيرة؛ فالقرار التشغيلي البسيط لا يحتاج ما يحتاجه القرار الاستراتيجي، لكن القاعدة أن تتناسب المشاركة مع أثر القرار وتعقيده. وأكبر ما يفسد الشورى الخوف. إذا كان الموظف يظن أن رأيه المختلف سيؤثر في تقييمه، فسوف يقول ما يعتقد أن القائد يريد سماعه.

لذلك يجب أن يفصل المسؤول بين نقد الفكرة ونقد صاحبها، وأن يشكر من يكشف ثغرة حتى لو كان طرحه غير مريح. كما ينبغي ألا يقاطع الآراء مبكرًا أو يستخدم منصبه لإنهاء النقاش قبل نضجه. ومع ذلك، لا تعني الشورى أن يتحول كل قرار إلى تصويت أو أن تتوزع المسؤولية حتى تضيع. بعد الاستماع والتحليل يبقى على صاحب الصلاحية أن يقرر، وأن يوضح لماذا اختار بديلًا دون آخر. وقد لا يأخذ بجميع الآراء، لكن مجرد بيان المعايير يجعل المشاركين يشعرون أن مشورتهم عوملت بجدية. أما طلب الرأي ثم تجاهله بلا تفسير فيضعف الثقة في أي مشاركة لاحقة. تظهر قيمة الشورى أيضًا بعد التنفيذ.

فالقرار قد يكشف آثارًا لم تكن متوقعة، ومن شاركوا في بنائه يستطيعون تقديم تغذية راجعة تساعد على التصحيح. لذلك فالشورى ليست لحظة تنتهي بإعلان القرار؛ بل دورة تبدأ بالفهم، ثم توليد البدائل، ثم الاختيار، ثم التعلم من النتيجة. حين تمارس الشورى بصدق، فإنها لا تنتقص من هيبة القائد، بل تقوي قراره وتوسع ملكية الفريق له. وهي تربي العاملين على التفكير والمسؤولية، وتقلل الاعتماد على الفرد، وتجعل المؤسسة أقدر على اكتشاف الخطأ قبل أن يصبح تكلفة. القرار الذي يستفيد من العقول ثم يحسم بوضوح يجمع بين المشاركة والانضباط، وهما أساس الإدارة الناضجة.

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة