لا ينشأ النزاع العقدي دائمًا من غياب النص؛ فقد ينشأ من وجود عبارة يقرأها كل طرف بطريقة مختلفة. ووظيفة التفسير ليست منح أحدهما ما كان يتمنى كتابته، بل تحديد المعنى النظامي للاتفاق. وقد وضع نظام المعاملات المدنية منهجًا متدرجًا: إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يُعدل عن مدلولها بحجة البحث عن إرادة المتعاقدين، أما إذا وجد محل للتفسير فيُبحث عن إرادتهما المشتركة دون الاكتفاء بالمعنى الحرفي. هذا التدرج يحمي استقرار الكتابة. فالعبارة الواضحة هي نقطة البدء، ولا يصح إهدارها بادعاء نية داخلية لم تظهر للطرف الآخر.
لكنه يعترف أيضًا بأن اللغة قد تحتمل أكثر من معنى، أو تتعارض أجزاء العقد، أو تستخدم مصطلحًا له دلالة خاصة في نشاط معين. عندئذ لا يكون التمسك الحرفي كافيًا للوصول إلى ما اتفق عليه الطرفان حقيقة. وقد نصت المادة الرابعة بعد المائة على الاستهداء بالعرف وظروف العقد وطبيعة المعاملة وما جرت به العادة في التعامل بين المتعاقدين وحالهما، وما ينبغي أن يسود من أمانة وثقة. كما تُفسر شروط العقد بعضها بعضًا بإعطاء كل شرط معنى لا يتعارض مع غيره. ومن ثم لا يجوز اقتطاع جملة من ملحق وإهمال التعريفات أو نطاق العمل أو ترتيب الأولوية بين الوثائق.
ومن القواعد التي قررها النظام تفسير الشك لمصلحة من يتحمل عبء الالتزام أو الشرط، وتفسير عقود الإذعان لمصلحة الطرف المذعن. وهذه القاعدة تعمل عند بقاء الشك بعد استخدام أدوات التفسير، وليست تصريحًا بإهمال النص أو إعادة توزيع الالتزامات ابتداءً. كما أن عقود الإذعان لها طبيعتها المرتبطة بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها. تظهر أهمية العرف حين يستخدم العقد مصطلحات مهنية مختصرة أو يسكت عن تفصيل يتكرر في نوع المعاملة. لكن العرف يحتاج إلى ثبوت وانطباق، ولا يقدم تلقائيًا على نص واضح مخالف له.
أما التعامل السابق بين الطرفين فقد يساعد على فهم الكيفية التي فهما بها عبارة متكررة، بشرط النظر إلى كامل السياق وعدم انتقاء واقعة واحدة. ولتقليل الحاجة إلى التفسير القضائي، ينبغي بناء العقد بهيكل منضبط: تعريف المصطلحات، وتوحيد استخدامها، وربط الملاحق، وتحديد ترتيب الأولوية عند التعارض، وبيان وحدات القياس والمواعيد، وتجنب النسخ من عقود مختلفة من دون مواءمة. كما يجب ألا تستخدم العبارة ذاتها بمعنيين، وألا يترك فراغ أو إحالة إلى وثيقة غير مرفقة. والمراسلات السابقة أو اللاحقة قد تكون ذات صلة بحسب النزاع وقواعد الإثبات، لكنها لا تمنح طرفًا حق إنشاء تعديل غير مستوفٍ لما اتُّفق على اشتراطه من شكل أو صلاحية.
لذلك ينبغي فصل التفسير عن التعديل: الأول يكشف معنى الالتزام القائم، والثاني يغيره ويحتاج إلى اتفاق أو سند نظامي. التفسير السليم يجمع بين احترام النص وفهم السياق. يبدأ من العبارة الواضحة، وينظر عند الغموض إلى العقد بوصفه كلًا متكاملًا وإلى الإرادة المشتركة التي تكشفها ظروف موضوعية. وأفضل عقد ليس الأطول، بل الذي يقل فيه التناقض، وتُعرف وثائقه، وتنتظم مصطلحاته، فيستطيع قارئ مستقل أن يفهم منه ما يجب على كل طرف فعله. المرجع النظامي الرئيس: المادتان 40 و104 من نظام المعاملات المدنية.