ثم تعودُ إلى نفسك كأنك تصلُ إلى الوطن

بعد كل ما تمر به، ستكتشف أن الرحلة لم تكن بحثًا عن حياةٍ بلا ألم، بل عن قلبٍ يعرف كيف يعيش رغم الألم. لن تصبح إنسانًا لا يحزن، ولا شخصًا لا يخيب ظنه أحد، ولن تمنحك الحكمة حصانةً من الفقد. لكنها ستمنحك شيئًا أثمن: ألا تنهار بالكامل كلما تغير شيءٌ حولك.

ستعرف أن السلام ليس أن تُحل كل مشكلاتك، بل أن تكفّ عن تأجيل حياتك حتى تُحل. أن تشرب قهوتك وهناك سؤال لم تجد إجابته بعد، وأن تضحك وفي قلبك ندبة، وأن تخطط للغد رغم أنك لا تملك ضمانًا لما سيحدث. هذا هو نضج الروح: ألا تشترط على العالم أن يكون مثاليًا كي تسمح لنفسك بأن تكون بخير.

ستصبح أكثر انتقائية في معاركك، وأهدأ في خصوماتك، وأقل رغبةً في إثبات نفسك لكل أحد. ستفهم أن بعض الانتصارات خسارةٌ للسكينة، وأن بعض الردود أقل قيمةً من الصمت، وأن أبوابًا كثيرة لا ينبغي طرقها مرتين. وستتعلم أن تغادر المكان الذي لا يشبهك دون أن تلعنه، وأن تحب من يستحق دون أن تفقد نفسك فيه.

ثم يأتي يومٌ لا يحدث فيه شيء خارق. تستيقظ، تنظر من النافذة، ويكون الضوء عاديًا والمدينة كما هي، لكنك تشعر أن شيئًا داخلك استقر أخيرًا. لا تكره ماضيك، ولا تخاف غدك، ولا تتمنى أن تكون شخصًا آخر. تتسع في صدرك مساحةٌ هادئة تقول لك إن كل تلك الطرق الوعرة لم تكن عبثًا.

عندها تدرك أنك كنت طوال السنوات تبحث عن وطنٍ يحميك من تقلبات الحياة، ثم اكتشفت أن أجمل الأوطان كان قلبًا بنيته في داخلك: فيه إيمانٌ يكفي لمواجهة الخوف، ورحمةٌ تكفي للجراح، ووعيٌ يكفي للأخطاء، ونافذةٌ مفتوحة دائمًا على الأمل.

وحين تعود إلى نفسك بهذا الصفاء، لن تكون قد وصلت إلى نهاية الطريق؛ بل إلى المكان الذي كان ينبغي أن تبدأ منه الرحلة منذ البداية.

من كتاب «العابرون» — د. فيصل بن سعود العنزي

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة