حين يبرد العتاب

في أول الخيبة نتكلم كثيرًا.

نشرح الألم بتفاصيله، ونختار الكلمات، ونعود إلى الحديث بعد أن نظن أننا انتهينا منه. نقول: لم يعجبني ما فعلت. ثم نقولها بطريقة أخرى، لعل المشكلة كانت في العبارة. نفتح النافذة نفسها مرات، لأن في أعماقنا يقينًا صغيرًا أن الضوء سيدخل هذه المرة.

لهذا، فلا تنظر إلى العتاب كله بوصفه إزعاجًا.

فالذي يعاتبك ما زال واقفًا على الباب.

إنه يقول لك، من وراء غضبه: هذا المكان يهمني، ولهذا يؤلمني ما يحدث فيه.

لكن القلب، كالأبواب، يتعب من كثرة الطرق.

يأتي يوم لا يكتب فيه الإنسان الرسالة الطويلة. يرى الخطأ نفسه الذي أشعل فيه سابقًا حوارًا كاملًا، فيمرّ عليه بصمت. لا يسأل: لماذا؟ ولا ينتظر تفسيرًا، ولا يجلس حتى الفجر يرتب حججه.

وقد يظن الطرف الآخر أن الأمور أصبحت أفضل.

وهي ربما أصبحت أبعد.

فليس أخطر ما يحدث للعلاقات أن ترتفع الأصوات، بل أن تختفي الحاجة إلى الكلام. أن يصل الإنسان إلى ذلك البرود الذي لا يشبه التسامح، بل يشبه عاملًا انتهى من إطفاء الأنوار في بيتٍ سيغادره.

هناك عتابٌ أخير لا نعرف، ونحن نسمعه، أنه الأخير.

بعده قد تبقى المجاملات، وربما الضحكات، وربما حتى اللقاءات، لكن شيئًا خفيًا يكون قد أُخرج من الغرفة: الرغبة في الإصلاح.

لذلك، حين يعاتبك من تحب، لا تنشغل بنبرة العتاب حتى تنسى معناه. انظر إلى القلب الذي لا يزال يعود إليك رغم ألمه.

فإذا جاء يومٌ وسكت تمامًا، فلا تتعجل الفرح بهدوئه.

فالسلام الذي تراه على وجهه قد لا يكون سلامَ العلاقة.

قد يكون سلامَ من حسم في داخله أمر الرحيل.

من كتاب «العابرون» — د. فيصل بن سعود العنزي

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة