نافذةٌ تطلّ على ما بقي

في الحزن ميلٌ غريب إلى حجب المشهد كله. إذا فقدنا شيئًا عزيزًا، بدا لنا كأن الحياة فقدت قيمتها معه. تنغلق العين على الغائب فلا ترى الحاضرين، وينشغل القلب بما انطفأ حتى لا ينتبه إلى المصابيح الصغيرة التي ما زالت مشتعلة حوله.

لكن في كل حزن نافذةٌ تطل على ما بقي. قد لا تراها في البداية، لأن الفقد واسعٌ وصوته عالٍ، ولكنها موجودة: وجهٌ لا يزال يحبك، جسدٌ ما زال يقاوم، بيتٌ تأوي إليه، صباحٌ جديد، فرصةٌ لم تُجرّب بعد، صلاةٌ تستطيع أن تهمس فيها بما لم تفهمه أنت نفسك.

الامتنان لا يعني أن تقلل من قيمة الألم. لا أحد يطلب منك أن تبتسم فوق جرحك، لكن لا تجعل الجرح يقرر أن كل جسدك يؤلم. ثمة فرقٌ بين أن تحزن على ما فقدت، وأن تفقد قدرتك على رؤية ما لم تفقده.

افتح النافذة قليلًا. دع الهواء يدخل إلى الغرفة التي احتبس فيها حزنك طويلًا. لاحظ التفاصيل الصغيرة: كأس ماء بارد، صوت شخصٍ مألوف، ظل شجرة، طريق تعرفه، دعوة صادقة خرجت من قلبك في لحظة انكسار.

وربما لا تعود الأشياء كما كانت؛ وبعض الفقد لا يُعوَّض. لكن الإنسان قادر على أن يصنع معنى جديدًا من أطلال المعنى القديم. ليس لأن ما ضاع كان قليلًا، بل لأن ما بقي فيك كثير.

وما دام في الروح موضعٌ يتسع للنور، فإن الليل — مهما طال — لم يربح المعركة كلها.

من كتاب «العابرون» — د. فيصل بن سعود العنزي

مشاركة الصفحة

اكتشاف المزيد من د. فيصل سعود العنزي | Dr. Faisal Saud Alanazi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة